الخميس، 17 مايو، 2012

تحـــــدي الإنتخـــــابـــــات




إتفق العالم على أن صناديق الإقتراع هي أكثر الطُرق ديمقراطية لعكس إرادة جموع الشعب في الوقت الراهن، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا قِلة من الناس الذين لازالوا يُقيدون أنفسهم بأغلال التَّخلف محاولين مُحاكة الماضي بطريقة أقل ما يُمكن أن تُوصف به أنها مدعاة للسُخرية وإن كان صوت هؤلاء في ليبيا بداء خافتاً نظراً لإقتناع غالبية التيار الإسلامي بِمبداء فقه المصلحة ، اذ أنَّ المصلحة في الحالة الليبية الراهنة أن يتم الاختيار عن طريق الإنتخاب مع ان المصلحة فى المرحلة السابقة كانت فى الإلتفاف حول مشاريع الثَّوريت تحت مُسميات أقل ما يُمكن أن تُوصف به أنها كلمات حق أُريد بها باطل كالإصلاح والحفاظ على الأمن ودرء المفاسد مُستغلين في ذلك الخُطب الرنانة المزينة بأحاديث سيد الخلق وأقوال السلف الصالح بطريقة بعيدة كل البعد عن مبادئ الدين الحنيف التى تدعوا الى تحرير الانسان من الظلم والاستبداد .
امَّا  اليوم و الإنتخابات على الأبواب فالمُشاركة في إنجاح الإنتخابات  أصبحت واجب وطني وأخلاقي إتفقت مُعظم التيارات السياسية على ضرورة نجاحها فلا يُوجد اي مُبرر  للإمتناع عن المشاركة فيها، ببساطة لأن كل الحُلول الكفيلة بإنقاد الدولة متوقفة على إفرازات  هده الانتخابات فلا شك أن الإ نتخابات اصبحت تُمثل املاً لأغلب الليبيين للخروج من دائرة الفشل والإحباط التى احكمت حلقاتها عليهم، وتَزدادُ تعقيداً في كل يوم يمضي من عمر هده الدولة الوليدة التى عجزت حتى هذا الوقت أن تفرض هيبتها وإحترامها على مُواطنيها نتيجةً لسُوء أداء القيادات فيها، هده القيادات الغير مُؤهلة والغير قادرة على قيادة البلد ولعل هذا ما جعل عامة الليبيين يجتمعون على ضرورة إنجاح هذه التجربة بعد ان ضاقوا درعاً بتحكم مليشيات العسكر وبقايا النِّظام السابق متمثلاً فى مُؤسسات ليبيا الغد ، وخوفا من أن تدخل البلد في دوامة الصراعات القبلية والجهوية ودعوات التقسيم ولسان حالهم يقول ان الإنتخابات هي رسالة من الشعب الليبي الى العالم مفادها أننا مع النظام ومع الأمن ومع الإستقرار .
وأمام كل هدا لم نجد اي صوت يتناول بالبحث والتحليل انعكاسات نتائج هده الانتخابات على المشهد الليبي بكل جوانبه السياسية والأمنية وحتى الاجتماعية  لا ادري إذا كان الدافع لهدا هو الخوف من قتامة الصورة التى ستفرزها هده الانتخابات في مجتمع لازال يعانى من الأمية السياسية والتصحر فى المفاهيم الديمقراطية نتيجة الترسبات الى تركتها عقود من التجهيل السياسي ، فأخشى ما أخشاه ان حجم الآمال والطُموحات الكبيرة المُعلقة على نتائج هده الانتخابات ستنعكس وبالاً على الليبيين  وستزيد من إحباط الليبيين وتُبدد أحلامهم فى المجتمع المدني الديمقراطي الذي حلموا به كثيرا أو ان الدافع وراء ذلك هو غياب التخطيط والتَّصور العلمي لمرحلة أراها أكثر أهمية حتى من مرحلة النضال العسكري فالسمة البارزة لقيادات هده الدولة الوليدة هي قصر النظر وغياب التخطيط والاعتماد على سياسة ردة الفعل في إدارة شؤون البلد .
فوضعية الأزمة المستمرة في ليبيا اليوم تدل على عجز مؤسسات الدولة عن التعامل السلمي مع أطراف المُعادلة من قبائل مسلحة ومليشيات وأحزاب غير واضحة الملامح والانتماءات اضافة الى بقايا النظام السابق من مرتزقة الاعلام وطحالب السياسة وبالتأكيد ان نتائج هده الانتخابات لن تُرضي كُل هده الاطراف والتى حتماً ستتفاوت ردة فعلها ازاء هده الانتخابات حسب قوة كل طرف من هده الاطراف على ارض الواقع.
انا هنا لا أدعوا الى إفشال هذه الإنتخابات فقد انتظرناها كثيراً وقدمنا في سبيلها آلاف الشهداء ولكن أدعوا الى النظر لها كمحاولة في طريق بناء دولة نتمنى نجاحها ولكن وفى نفس الوقت لا نتجاهل احتمالية فشلها ليس من حيث التنظيم فقط ولكن حتى من حيث المفرزات التى قد تأتى بها ، أنا لا اريد ان أخوض كثيرا في الجانب القانوني المنظم للكيفية التى ستقوم بها هده الانتخابات فسأترك ذلك لأهل الاختصاص من رجال القانون وخبراء السياسة ولكن أولاً عدم عدالة توزيع كراسي هذا المؤتمر التى اعتمدت اساساً على عدم المُساواة بين أبناء البلد الواحد وإعطاء جزء كبير من المقاعد للنظام الفردي وخاصة في مُدن الدَّواخل وهدا حثماً سيعيد صياغة دور شيوخ القبائل ومليشياتها المسلحة وإصباغ صبغة شرعية عليها اضافة الى حتمية وجود رجال المال فى هدا المشهد بدلاً عن رجال السياسة كما أننى لا أستبعد وجود أشخاص لهم علاقات بالنظام السابق .
انا هنا لا أدعى حتمية فشل هدا المؤتمر ولكنني ادعوا لأن نكون أكثر حكمة ونتعلم من أخطائنا فلا نعلق كل الآمال على مؤسسة واحدة كما حدث معنا عندما اضفينا على المجلس الوطني الانتقالي قدسية لا يستحقها ولا زلنا نعاني من تبعاتها  انا ارى في وجود كيانات شرعية اخرى فى هده المرحلة من الضروريات كالمجالس المحلية الشرعية المنتخبة وليست هده المجالس البائسة كما ادعوا الى دعم مؤسسات المجتمع المدني ومساعدتها فى توعية كافة قطاعات الشعب والذي يغيب عليه الكثير من الأبجديات فى عالم السياسة فحتى الدعاية الكبيرة لهده الانتخابات ارى فيها الكثير من القصور إذ انها لم تتعرض لشرح المؤتمر الوطني و وظائفه بقدر ما اهتمت بدعوة الليبيين للمشاركة ، فهناك الكثير من المفاهيم التى يجب تغيرها قبل الحديث علي الاستفادة من نتائج هده الانتخابات لعل اهمها على الاطلاق مفهوم الدولة نفسه الذي لازال للأسف الشديد يغيب عن ادهان الكثير من الليبيين ليحل محله مفهوم الثورة التى اصبحت لعنة تقف في طريق بناء دولة المؤسسات والقانون  وأخيرا أدعو الله العلى القدير ان لا نضيع هده الفرصة وان لا تكون هده الانتخابات بكاءً على أطلال الوطن


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق