الأحد، 24 مارس، 2013

ليبيا والتحديات




منذ نجاح ثورة الشعب الليبي وأسقاط النظام الدكتاتوري تناوبت على ليبيا ظروف سياسية مشوهة لا تمت بصلة لما يوصف فيه النظام السياسي وشكل ومحتوى الدولة  حسب أهواء من يقود العملية السياسية وكأن التسمية هو ما تهدف أليه هذه القوى لا المحتوى والتطبيق والبرامج لينعكس الأسم على المحتوى وشكل الدولة ومؤسساتها وربما راح الكثيرين منهم يفكر بالطريقة الكلاسيكية الدكتاتورية في أدارة دفة الحكم أي الطريقة التي أثبت فشلها وأنتهت ألى مزبلة التأريخ فكرة تصفية الخصوم والأنقلاب عليهم وكذلك الأستفادة من تجربة النظام الأيراني في بداية الثورة بغية تثبيت دعائم النظام الذي لم يحظى سوى بأحترام من هو على نفس أنماط  الفكر والعقيدة والممارسة ويبتغي تثبيت دعائم حكم دكتاتوري لا يمت بصلة من بعيد أو قريب ألى الدولة المدنية الحضارية.

أن  من يتصدى للعملية السياسية في الوقت الحاضر يريد أن يصور لليبين أنه أسقط النظام الدكتاتوري !!! وأنه جدير بأن يكون في موقع المسؤولية في أدارة البلد بالطريقة التي يفكر بها بل وذهبت بعض القوى للمطالبة بمقابل النضال ضد النظام الدكتاتوري وتناست حتى حقوق شهدائها ومناضليها نتيجة الصراع على المغانم والأمتيازات ونتيجة أحلال مبدأ الغنيمة في الدولة ومرافقها كافة واعتماد مفاهيم التخوين والإقصاء وحتي التكفير بدل التعاون والتكافل في سبيل بناء الدولة التي قدموا في سبيلها آلاف الشهداء 

ماذا ينتظر ليبيا بعد كل التعقيدات في الوضع السياسي الحالي وهي مقبلة علي المجهول وألى أين تتجه خصوصا بعد وضوح الاطماع الخارجية من القريب والبعيد ولمادا كل هذا التاخير في  ترتيب الأوضاع الداخلية للخروج بأقل الخسائر وضمان خيوط اللحمة الوطنية وديمومتها في ظل هذا التشرذم السياسي والصراع على المغانم فكلنا يعلم علم اليقين  أن دولة من هذا النوع سوف لن تصمد وأن شرارت التجربة اللبنانية تقدح بين حين وآخر وأن ليبيا لا محال مقدم  على أحد خيارين أما حرب أهلية وسيادة دولة المليشيات المسلحة وغياب الدولة المدنية الحضارية أو دولة لا تملك سيادتها بل تتناوب عليها دول الجوار والتيارات العابرة للحدود في أدارة دفتها لأسباب تتعلق بمشاريع مستقبلية للمنطقة  وترتيب الأوضاع فيها بما يتناسب مع ضمان مصالح هذه الدول وتحالفاتها خاصة بعد المتغيرات الكبيرة في دولا عديدة من دول الشرق الأوسط وافريقيا وكيفية ضمان المصالح مع كل المتغيرات التي جرت والتي تلوح في الأفق وما يعنيني هنا هو ما مصير هده الدولةومستقبلها السياسي وبناء على معطيات تجارب دول اخري مرت بسناريواهات مشابهة

ومن هنا تكمن اهمية الدستور والغاية من وضعه لأن الدستور يجب ان يكتب بحيث تكون  أحد أركانه المهمة هو ضمان تداول السلطة بشكل سلمي وضمان عدم تركز السلطات بيد حزب واحد أو حاكم واحد أي ضمان عدم تكرار تجربة الدكتاتورية ودروسها وويلاتها بحق الشعب الليبي وقواه الوطنية وهذه هي القاعدة الصلبة أذا ما أردنا بناء دولة القانون وحقوق الأنسان الدولة المدنية الحضارية


الأحد، 18 نوفمبر، 2012

ليــــــــبيا مـــا بعد الثــــــورة


    إن المتأمل اليوم في ما آل إليه حال بلدنا الحبيبة بعد أكثر من عام من إنتهاء ثورة شعبنا لإسقاط نظام الظُلم والاستبداد والتي اختتمت باصطفاف الليبيين في طوابير لمُشاهدة طاغية العصر جثة هامدة ، لا يملك إلا ان يبكي هدا الوطن الذي كُتب عليه ان يُعاني من تجاهل وخيانة أبناءه ، يبكيه خجلاً وحُرقه علي ما آل له حال الليبيين من تشتت وفوضي وعلي اعادة أخطاء الماضي وعلي كل خيبات الحاضر التي ستؤدي حتما الي مزيد من العثرات في المستقبل.

فلا احد منا مهما حاول يستطيع ان يتجاهل حالنا مع حرية تختفي وتحضر حسب أهواؤنا وكرامة شعب عرجاء لا تكاد تقاوم حتى تهوي وأحلام لا نملك إلا أن نبكيها ونحن نراها تتبدد تباعا نتيجة أفكار عقيمة لا تولد إلا مزيدا من الاستبداد والإقصاء والتهميش، وربيع ثورتنا الذي أضحى خريفا لا تسمع فيه إلا أصواتا لعقول قاحلة لا تزيد إلا فوضي وتشتت ولا تزيد بلدنا إلا كبوات وهفوات وضياع للفرص لتحقيق أحلام ثورتنا التي أصبحتُ أخشي ان تتحول الى كوابيس . 

لقد اصبحت أخشي ان تتحول ليبيا الي أزمة مستمرة وصراع لنفوذ أطراف خارجية وساحة لصراعات سياسية وأيديولوجيه حتى وإن حاول البعض ان يُلبسها أثوابً ليبية وكلنا يعلم أننا كليبيين لم نجتاز بعد مرحلة الأُمية السياسية ، و انا أرى الشباب الليبي الذي وحدته محنة الثورة وقد بدوا يتفرقون وهم يجتهدون في خدمة أفكار أحزاب لا هم لها إلا العودة بليبيا الي مرحلة الاستبداد السياسي والإقصاء الفكري  متخذين من التعصب منهجاً والحقد والانتقام معتقدا مُتناسين دماء آلاف الشهداء الذين لم يبخلوا علي هذا الوطن بأرواحهم في سبيل ان يروه وطنا قويا مُهاب الجانب ينظر الي ابناءه بعين المساواة والعدل. فهل ما نعيشه اليوم في ليبيا من تبادل للاتهامات والتخوين لبعضنا يستحق ان نُقدم في سبيله آلاف الشهداء؟ ام أننا الان  نواجه حقيقة حاولنا ان نُخفيها تحت ستار كذبة الوطنية هده الحقيقة هي ان الليبيين ليسوا أخوة وان ديننا وتاريخنا الواحد لم يزدنا إلا فرقة وتقسيما بل انه ساهم في زيادة فرقتنا وأوجد مفاهيم ومصطلحات جديدة كثوار و ازلام و مواليين ومنشقين وإسلاميين وعلمانيين وأنصار للدين وأعداء له.

انا الأمل في بناء ليبيا الجديدة كان هو الباعث الذي وحد الليبيين بل انه اجتازهم حتي انه كان مطلبا إقليميا ودوليا ولا يخفي علي احد ان من اهم متطلبات بناء هدا الكيان الجديد هو ان يقتنع كل الليبيين دون استثناء انهم مقبلين علي مرحلة جديدة يجب ان تتسم بزخم من القيم الانسانية النبيلة والمُثل العُليا من تعاون وإخاء وتراحم وتسامح، وهدا من البديهي انه لن يكون إلا اذا تناسي الليبيون خلافاتهم وصراعاتهم التاريخية والقبلية وتجاوزوا خلافتهم الحزبية البغيضة وصراعاتهم الفكرية التي لم تزد هدا الوطن إلا تفرقاً، فإذا ما تعنت كل طرف برؤيته الضيقة وتصوره المحدود فان صناعة ليبيا الجديدة لن تكون صعبة فحسب بل ستكون اقرب الي المستحيل.

وإذا ما تجردنا عن تعصبنا الجهوي والقبلي والسياسي والحزبي الذي ألقي بظلاله القاتمة علي بعض الليبيين واعمي بصيرتهم فأصبحوا لا يرون الحقيقة وهي واضحة أمامهم وضُوح الشمس في كبد السماء بعيدا عن كل هذا يجب ان نقف في وجه الفساد بكل اشكاله و ألوانه وأن نتحلي بالمسؤولية في أن نقول للصح صح وللخطاء خطاء مهما كانت هوية او ماهية من يدعوا له، فلا حصانة لأحد ضد مصلحة ليبيا ومستقبلها وهنا لا استثني احداًّ من الاحزاب والقوى السياسية فجميعهم  مشتركون  في التصرفات الخاطئة التي حصلت بالبلد ومسئولون عنها. أنا لا أُنكر ان هده الأطراف تتفاوت فيما بينها في نسبة الممارسات الخاطئة من طرف الى آخر إلا ان الجميع  قد ساهم مساهمة بطريقة او بأخرى سواءًا بقصد او بدونه في تردي الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية مما ادى الي تدهور الوضع بشكل عام في ليبيا ما بعد الثورة ومن هنا فان الواجب الوطني والالتزام التاريخي تجاه ثورة شعبنا ودماء شهداءنا يحتم علي جميع الاحزاب والتكتلات السياسية أن تعترف بما تحمل بين جنباتها وضمن اعضائها وقادتها من فاسدين وبامتياز فكلنا يعرف من هم هؤلاء ولا داعي هنا الى ان اتطرق لذكر الاسماء فجميعنا يعرف من هم الفاسدين الذين نهبوا ثروات البلد وبددوا آمال أبناءه.  

ان من اهم العناصر الضرورية  والمكونات اللازمة لبناء ليبيا الجديدة هو بناء جيش وطني موحد تحت قيادة واحدة وبعقيدة راسخة وان يعمل لهدف واحد هو حماية الوطن بأراضيه ومكتسباته وسيادته وهيبة مؤسساته وان لا يشوب هدا اي انتماء جهوي او قبلي او حتى سياسي فهده المؤسسة هي ملك لكل الليبيين ويجب ان تقف علي مسافة واحدة من كل اطياف المجتمع الليبي ،وأنا عندما أتحدث عن أهمية إعادة بناء الجيش والأمن أعي تماما أهمية ذلك  فأنا أقصد بدلك غرس قيم الولاء والانتماء لله ثم للوطن في نفوس الجميع من منتسبي القوات المسلحة والأمن ولا أقصد بها شخصا او حزبا بعينه كما هو حال بعض القوى السياسية عندما تريد ان توظف اعادة هيكلة الجيش والأمن لتحقيق أهدافها الخاصة وبما يتناسب مع تحقيق مصالحها الخاصة وليس مصلحة البلد ككل.

وقبل كل هذا وذاك فإن الاساس وأهم عنصر يجب توفره في بناء ليبيا الجديدة هو ان يسعى الجميع في ان يُغير ويُصلح من نفسه من الداخل بكل صدق وإخلاص هذا اذا ما رغبنا في التغيير نحو الافضل (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).  و لندعو الله عز وجل في كل وقت  وعند إقدامنا علي اي خطوه نخطوها ونقدم عليها ان يجمع كلمتنا ويصلح حالنا وحال وطننا الذي اصبح مع بزوغ شمس كل يوم تنهار قواه ويزداد انينه  فالله وحده من بيده الخير والله وحده من بيده صلاحنا وصلاح وطننا وهو من بطاعته وعبادته سوف يعيننا في صناعة ليبيا الجديدة وبدون تقوى الله وطاعته والرجوع اليه ومخافته لا يمكننا بأي حال من الاحوال ان نبني ليبيا الجديدة التي نسعد جميعا بالعيش فيها

الاثنين، 16 يوليو، 2012

لــــيبيا تنتخـــــــــب



تدافع الليبيون  فى اليوم الأول للانتخابات بأعداد كبيرة وأغلبهم غير منتمين لأى تيارات سياسية وبعضهم ممن يرفض الانخراط أو المشاركة في أي نشاط سياسي او حزبي للإدلاء بأصواتهم فى اول انتخابات بعد الثورة معتبرين هده الانتخابات من اهم إنجازات الثورة .
الليبيون  قرروا التخلي عن صمتهم هذه المرة وعادوا للمشاركة فى المشهد بعد قرابة السنة من إنتهاء الثورة، هذه السنة التى ترك فيها عامة الشعب المسرح السياسي لمن وصفوا أنفسهم بأنهم إفرازات الثورة وحُماتها مؤكدين أن التنازل عن حقهم فى التصويت خيانة لهذا الوطن، وأنهم وإن غابوا عن المشهد السياسى إلا أن أحدًا لن ينتزع حقهم فى التصويت واختيار اول هيئة منتخبة لقيادة البلد في مرحلة ما بعد الثورة.
على أبواب اللجان الانتخابية تزاحموا، بعضهم لا يعرف شيئا من ابجديات الانتخابات ولا حتى ماذا ينتخب، وبعضهم تكبد عناء الوقوف في هذه الطوابير الطويلة ليحافظ على هوية ليبيا الاسلامية بعد ان صُمت اذانه بخطابات ممثلي الأحزاب الإسلامية التي تعتبر التصويت لأي تيار غيرهم خيانة لدماء الشهداء ومُعادة لدين الله بالرغم من اجماع كل المترشحين بدون استثناء على الحفاظ على الشريعة الاسلامية كمصدر للتشريع  .
قد يكون من أهم أسباب هدا الزحام على التصويت حاجة الناس إلى التغيير والسعى للاستقرار عن طريق إرساء قواعد الديمقراطية التى طالما حلموا بها ولم يتذوقوها حتي قامت هذه الثورة المباركة فهم يرون في اقبالهم على هده الانتخابات وسيلة تعبير عن فرحهم بانتصار الليبيين كل الليبيين بهده الثورة والتي كغيرها من الثورات غالبا ما تنتهي بان يسرقها مجموعة تحت حجة الحفاظ عليها وحمايتها . كما لا يمكن تجاهل الخطاب الإعلامي الموجه الذي سبق هذه الانتخابات الذي كان يعزف على وتر الوطنية والوفاء للشهداء مستخدما الرموز الدينية والوطنية على حد سواء.
 الكل كان ينتظر أن يستمر هدا الاحتفال بعد الاعلان عن نتائج الانتخابات ولكن هناك طبقة ممن أتت نتائج الانتخابات عكس هواهم أصرت على أن تقلب إجماع الليبيين واحتفالهم بدخول عالم جديد يؤسس لدولة ديمقراطية تحترم مواطنيها على حد السواء وتعتمد على مؤسسات شرعية تستمد شرعيتها من الشعب صاحب السيادة بدون اي وصاية او تحجيم لسلطات الشعب صاحب الحق في تقرير مصيره فهذه الديمقراطية هى التى سوف تحررنا من قيود الحاكم الظالم المتسلط التي عانينا منها لعقود. إن احترامنا لكلمة الشعب هو بالطبع يعكس احترامنا لذاتنا، كما أن المشاركة الحقيقة للعملية الانتخابية فى حد ذاته لهو دليل على عدم حرمان الشعب من حقوقه المشروعة . إن رأي الأغلبية فى اختيار من يمثلهم لصياغة الكيفية التي يريدونها لدولتهم الجديدة التي قدموا في سبيلها ألاف الشهداء بدون ان تمنعهم اختلافاتهم الفكرية و الأيديولوجية من ان يتحدوا في سبيل تحقيق هدفهم في اطاحة الطاغية يجب أن يقابل بالاحترام والتقدير ولا يجوز ان تتصدر فئة "صغرت او كبرت" طالما انها لا تمثل اغلبية الشعب وتفرض علي بقية الشعب نمط تفكيرها وتصورها لنظام الدولة الذي يتماشى مع ايديولوجيتها لأن هذا فيه تسفيه لإرادة الشعب الذي نتفق في أنه شارك بكل أطيافه في هده الثورة .
الغوغائية والهمجية وعدم إحترام إرادة الشعب هي  أسوأ ما يمكن ان يقف في طريق الديمقراطية , وهدا بالتالي سيكون عقبة في طريق بناء الدولة الديمقراطية. إن الانتخابات كانت تمثل مقياسا لرغبة الشعب لتتويج مرحلة الثورة التي خاضها  بمرحلة جديدة هي مرحلة بناء الدولة التي تعتبر تتويجاُ لثورة هدا الشعب الذي شارك فيها بكل فئاته وطوائفه،  فإرادة الشعب حين تُحترم من قبل جميع الأطراف المتصارعة على السلطة  هو دليل رائع على أن هذه الشعوب تسير فى الطريق الصحيح الذى يؤدى فى النهاية الى الديمقراطية
إن المشككين فى اختيارات الشعب ونتائج انتخاباته إنما يشككون فى إرادة شعب وأمة بالكامل، حيث أعلنت جميع الجهات المعنية أنه لا مجال للتشكيك فى نزاهة هده الانتخابات لأنها كانت تحت رقابة وحماية الشرفاء من ابناء الوطن بكل انتماءاتهم مع وجود مراقبين يمثلون المجتمع الدولى ليكونوا شاهدين علي رغبة الشعب الليبي في بناء دولة الحداثة والمؤسسات .
إننا فى حاجة ماسة في هده الحقبة التاريخية الى من يأخذ بيد الوطن ويدفعه للأمام ، ولسنا فى حاجة الى من يقحمون ثوابت هدا المجتمع في الصراع علي السلطة التي الاصل فيها انها للشعب وما هم إلا ممثلين للشعب ولا يجوز لأي فئة ان تتجاهل هدا وتتكلم عكس ارادته ، فاذا قال الشعب كلمته واختار من يرى صلاحه لهده المرحلة علينا التسليم بذلك . وهدا بالطبع لا يحظر على اصحاب الافكار والإيديولوجيات التى لم تنجح في اقناع الجموع بتبنيها من أن تمارس حقها في الدعوة الي أفكارها ولكن بدون تسفيه او تحقير لاختيارات الشعب وبدون اسفاف في استخدام الثوابت والمقدسات في هدا الصراع الذي يجب ان لا نتجاهل حقيقته في انه صراع على تمثيل الشعب وليس حكمه او فرض نمط سياسي عليه . نحن فى حاجة ماسة لمن يأخذ بيد الوطن وينهض به ولا يكون محبطا للهمم و للأخرين إن وطننا فى حاجة لنا فيجب أن ننظر له بنظرة تفاؤلية لا تشاؤمية .

الأحد، 17 يونيو، 2012

التســـــــــــامح والمصــــــــــالحة



" التسامح المطلق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل"
                                                         نيلسون مانديلا



لا أحد يستطيع أن يُنكر أننا أحوج ما نكون الآن في ليبيا الى تقبل المفاهيم الأخلاقية السامية للتسامح والمُصالحة في هذه الفترة المُشتعلة التي لا تنعم فيها بلدنا الحبيبة بأي بريق من التسامح  من أجل المصلحة العُليا للبلد، وقد لا يكون هدا غريباً عن مجتمعنا الذي لا زالت تسيطر عليها النَّعرات القبلية والجهوية ولعلنا إذا أمعنا النظر في تاريخنا الحديث سنجد أن السابقون لنا في هدا الوطن لم  يكونوا أكثر حباً وتسامحاً مما نحن عليه الآن ولا عجب في كل ذلك فالتاريخ يعيد نفسه عندما تكرر الشعوب نفسها بدون اي جهود للنهوض بقيمها ومفاهيمها الأخلاقية. 

 حتى لو  قرأنا تاريخ ليبيا الحديث قراءة خياليه وقبلنا بكل ما فيه من اختلاق للبُطولات سنجد ان ليبيا مثمتلةً في  أبنائها ” لم تحيا تسامحا واقعياً حتى الآن لا مع أختلافاتها ولا مع تنوعها… حيث لا زالت تحيا حالة من العدوانية الشديده والقلق مع كل ما هو مختلف او متغير بعيداً عن كل  قيم التَّسامح  و تقبل الآخر التي تُعْلِي من شأن الأُمم وتُعجل من نُهوضها وانطلاقها نحو مستقبل مشرق وقد يتجاوز فقدان هده المفاهيم  نقاط الاختلاف ليصل الى صعوبة القدرة على التعايش مع هده الاختلافات في كيان واحد ينال كل أفراده نفس القدر من الاحترام وحرية الاختيار.

لا شك أَنه من البديهي أينما وُجد النِّزاع يظهر التَّسامح كحل لا بديل له…كلام منطقي لا وجود له لدينا باعتبار المنطق علم للضعفاء فقط !! فعلى رغم امتلاء بلادنا بالنزاعات السياسيه والجهوية والقبليه والثقافيه فلا أثرلأي تسامح قد يلوح في الأُفق أو حتى من وراء الأُفق ….. و يظل التسامح بكل عمقه رهين بالمصالح والأهواء والثقافة التقليديه و رهين بكلمة عفو أو مساومه  تأصل لمرحلة قادمه ستكون هي الأكثر سوءا و قبحا مما نحن عليه الآن وتساوي بين الجاني والضحية في غياب تام لمفاهيم اخرى كمفهوم العدل والمساواة بين الناس هده المفاهيم التي لم ينعم بها الليبيين لا قبل الثورة ولا يبدوا انهم سيفعلون بعدها .

قد يُطالب الكثير من الناس تحت ضغط الاحتياج للسِلم بتعميم مفهوم التسامح والمصالحة على كل العِلاَّت التى قد تعتري فهمهم لهذه المُصطلحات التى يتلاعب بها الحُداق من اجل الهروب بجرائمهم من عدالة القوانين  ومن أجل التعايش مع القيم المختلفه في المجتمع الواحد والمصالح المتضاربة فيما بينهم  حتى تخف حدة النزاع أياً كان، بأعتبار التسامح لا يُنهي النِّزاع تماماً ولا يجفف منابعه وإنما يُخفف من حدته ليبقى الخلاف أمرا حتمياً أراده الله أن يكون. ولكننا لا نرى مُطالبات أو إحتياج ملح للسلام بل رغبة شديدة تتخذ من العنف واجهة لها ولغة للتخاطب بين الناس.

من هنا يبرز التساؤل هل جُبل الإنسان فعلاُ على العنف أم جُبل على التَّسامح؟؟ وهل مقابلة العنف بالعنف حل للنِّزاع أم ذريعة للضعفاء والفاشلين لأجل الهروب من معالجة الخلاف بطريقة أنسانيه متحضرة وهذا ما نراه اليوم جلياً متمثلاً في الاعتقالات التعسفية والإختفاءات القسريه والتكفير والإبادة  والتهجير وقتل أصوات المُستضعفين بِقوة السلاح وهذا من البديهي أنه يُمثل خروج على القانون والتَّسلح الغير مبرر، وأعمال الشَّغب التي يذهب ضحيتها الكثير من أبنائنا والأهم أنه تقضي على املنا في مجتمع ينظر بعين العدل والمساواة لكل ابناءه على حد سواء,

سيقول لي الكثير بان هدا كلام  إنشائي يتجاوز حقائق الواقع المتخلف والأليم لمجتمعنا بكل تعقيداته ، انا لا انكر أنني أسعى للمثالية وأُمني نفسي بأْن أراه يتجلى في مجتمعنا الذي لازال الكثير من مثقفيه وسياسييه يواجهون كل محاولة للحديث عن التغيير مهما  كان بكلمة الفصل “لا يصح تجاوز الواقع “…هدا القول وان كان صحيحا إلا أني ارفض أن نأخذه على هدا المحمل فنحن من صنع هدا الواقع وان كان جُله نتاج تراكمي لتبني المجتمع ثقافة مبنية على ان القوي هو من يُحدد مسار المجتمع متناسين أننا شُركاء فى هدا الوطن بحاضرهِ ومستقبله.

وأخيراً أود ان أؤكد على أن الكتابه لأجل قول ما نفكر به و من ثم عرضه على الناس دون غاية سوى قول المعرفه وتبادل أفكارها، تلك الكتابه بمقاصدها  ليست كلاماً أنشائياً رتيباً أو نسبياً قابلاً للتفسيرات المختلفة  وإنما هي رغبة وغريزة أصيله في الإنسان بقول ما يفكر به ليحدث ما يحدث بعدها من تفاعل أو عدم إكتراث، ولا يقف بوجه تلك الكتابه إلا أولئك اللذين تعلموا التلقين والإقصاء والنفور من الآخر وصار من الصعب عليهم التعامل مع ما يخالف سيرة حياتهم الفكرية إن جاز أن نُسميها حياتهم الخاصة وما هي إلاَّ حياة الأولين يجترها الآخرين ويُقدسونها مختفية بداخلها استقلاليتهم وتنوعهم ….
 

الثلاثاء، 5 يونيو، 2012

حتى لا تـــــــضيع الثــــــــــورة



من المُسلم به ان الثَّورة كمصطلح سياسي تعني تغيير شعبي للأوضاع القائمة نتيجة لتنامي شعور بعدم الرضا عن الاوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتَّطلع الى اوضاع افضل تُحقق الحد الادنى من الشُعور بالرضا عند جموع الناس.

وهدا بالضرورة يقتضي ان تكون  للثورة اهداف و توجهات عامة واضحة وصريحة قد تتفاوت هده الاهداف بتفاوت مسببات الثورة وبحسب درجة التضحيات المقدمة من الشعب وحجم التنازلات المقدمة من النظم القائمة

وعلى الرغم من ان الثورات تعد احداث مفصلية  مهمة في التاريخ السياسي إلاَّ أن الانقلاب على مبادئى الثورة  أمر وارد  اذا لم يتمكن الشعب من ازالة كافة التحديات و المعوقات الموجودة في طريق  الانتقال من الثورة الى الدولة، لأن الثورة وسيلة و الغاية  منها هي  بناء دولة قويه دون المساس بالمبادئ الاساسية للثورة كحق الحياة والكرامة للإنسان  والحرص على عدم الانزلاق نحو اعادة صياغة النُظُم الشُمُولية وإضفاء نوع من الشَّرعية عليها تحت ما يسمى بالشرعية الثورية .
 فى حالة الثورة الليبية وبعد انقضاء قرابة العام لم نتمكن بعد من تحقيق أهدافها العامة و لم نتجاوز الفترة الانتقالية التي تُخفي الكثير من ملامح الانقلاب على الاهداف النبيلة للثورة مُتمثلة في سرقة توجهاتها وتطلعات الشعب نحو الحرية والديمقراطية و لم يكتمل النضج السياسى لهده المؤسسات الانتقالية  نحو بناء مشروع وطني  يهدف الى توحيد الجهود السياسية و الاقتصادية  لبناء وطن معافى قوي الاركان و تستنهض بشعبها نحو الافضل. و ما زالت ليبيا تعيش فى مأزق تاريخى يهدد وجود الدولة .

اذا لم تنجح الثورة في تحقيق اهدافها فلابد من اسباب ومعوقات لعل اهمها عدم الايمان بمشروع التغيير في مفهوم الدولة والسلطة  و غياب مبادئ سامية كالصدق في العمل او عدم  التحايل على اهداف الثورة او سرقتها و تغيير مسارها  بغرض  تحقيق مصالح ضيقة تخص نُخب سياسية دون غيرها او  تهيمن عليها  ثقافة محددة او هوية  معينة  .

قد يقول القائل،،،،هدا هو الحال مع اغلب الثَّورات ونحن في ليبيا لا نمثل استثناءًا. لكن كيف نجحت الثورة الفرنسية  قبل ثلاثة قرون تقريباً؟  الاجابة واضحة،،، أنه فى الحالة الفرنسية كان  هنالك ضمير جماعي ووعي ثوري  و وحدة وطنية تِجاه القضايا العامة، حيث نادت الثورة الفرنسية بمبادئ العدل و المساواة و الحرية كقيمة انسانية بل إنها تبنت مُحاربة كل القيم السائدة ما قبل الثورة  من الظلم الطبقي و النظام الاقطاعى و الكهنوت و سلطات رجال الدين  اللذين يستمدون  سلطتهم  على تراكمية  الوراثة و الحق الالهى . تم تفكيك و انهاء النظام الاجتماعى القديم  واستبداله بنظام جديد يعتمد على المبادئ والقيم التي تبنتها الثورة، ومنها وضوح علاقة المواطن بالدولة أو الحكومة  وتبني أبناء الوطن الواحد لمبدأ التَّساوي في  الحقوق و الواجبات , حيث كونت مؤسسات حقيقية نادت بضرورة اكمال مشروع الثَّورة و ضمان تنفيد ما إتُفق عليه  فى المسودة الجديدة من ميثاق الحقوق فيما يعرف  بالعقد الاجتماعى  او البيان التأسيسى للدولة.

إذا ما حاولنا مقارنة حال الثورة في ليبيا بالحالة الفرنسية سيكون واضحا وجليا لنا حجم الفوارق في القيم والمبادئ التي تعتمدها كِلا الثورتين فللأسف الشديد في الحالة الليبية ان الفئة التي استلمت دفة قيادة الثورة بعد انتهاء الحرب مثمتلة في الكيان السياسي (المجلس الوطني ومؤسساته الانتقالية) والتشكيلات العسكرية المتمثلة في المليشيات الخارجة عن القانون وجيوش القبائل ولصوص الحرب لم تبذل اي جهود تذكر للقضاء على قيم الاستبداد والإقصاء والتعدي على حريات الاخرين وانتهاك حقوقهم وبدأ واضحاً أننا نُعيد صياغة نفس القيم التى قامت ضدها الثورة في الاساس مع بعض التغييرات الطفيفة التى لا تتماشى باي حال من الأحوال مع حجم التضحيات التي قدمها الليبيين وهنا اقصد الليبيين البسطاء الذين وضعوا آمالهم على هده الثورة لإعادة بناء دولة القانون والمؤسسات التى اصبحنا يوما بعد يوم نراها أبعد ما تكون عن ارض الواقع .


الأربعاء، 30 مايو، 2012

ليبـــــــــــــــــــــــــــيا




ان كنت  بعيدًا بجسدي عن وطني ..و لكن روحي تعيش فيه وله هذه الأيام أكثر مما كانت تفعل طِوال حياتي . وأنا على يقين أن هذا ليس حالي وحدي بل يشاركني فيه اغلب الليبيين حول العالم ممن يسكن الوطن في قلوبهم رغم أنهم لم يعودوا يسكنون فيه منذ زمن.
وإنني الآن و أنا ارى أنَّ الوطن لم يعد اكثر من غنيمة وقعت في ايدي اللِّئام ممن لا هَمَّ لهم إلا نهبه وسرقة مقدراته والتفاخر بقبض مقابل لأداء واجبهم متناسين ان هدا الواجب تِجاه انفسهم اولاً قبل ان يكون تِجاه هدا الوطن البائس الحزين الذي لم يعد احدًا يُلقي لنهضته وتقدمه بالاً في خِضم بحت أبناءه على مكاسب شخصية، سياسيةٍ كانت او مادية، لم يعد الوطن إلا شعارا اجوفاً لا يحمل اي معني فى ذاته.
فأصبح الوطن يحمل أكثر من معني فكل طرف ينظر له من وجهة نظر مختلفة فهو للبعض غنيمة استحقها نتيجة انتصاره في حرب خاضتها قبيلته ضد بقية القبائل. وعند البعض الآخر هو جائزة استحق ان ينالها ويتحكم فيها مقابل شجاعته في حرب خاضها ضد نظام الطاغية ، وعند مجموعة اخري هو أسير تحرر على يده واستحق هدا الأسير ان يدين لمن حرره بالولاء والتلون بلونه والتفكير حسب هواه، وعند مجموعة اخرى هو كنز حصل عليه وله كل الحق في تملكه والتصرف فيه كيفما شاء، وعند مجموعة اخري هو ملك سلب منه وله كل الحق في تخريبه ان لم يكن هناك وسيلة لاسترجاعه.
لكل هؤلاء أقول ان ليبيا ليست حكرًا على أحد كما أنها ليست ملكا لأحد ليبيا لنا جميعا خلقها الله وجعلنا سكاناً لها فلا أحد يملك حق التَّفرد بها ورسم تصورًا لها دون أن يكون لبقية  أهلها  رائي في ذلك .
لا أُريد ان استحلفكم بالوطن فاني اعلم أن اغلبكم قد كفر بهذا الوطن ولكني استحلفكم بالله القوي العزيز ان تتقوا الله في ليبيا وفي الليبيين البسطاء الذين كانوا وقود حرب التحرير، ان تتقوا الله في عجائزنا الذين بللت دموعهم محاريب صلاتهم وهم يبكون هدا الوطن، ان تتقوي الله في أطفالنا الذين تحطمت أحلام طفولتهم وتبدلت بأحلام الحروب الدين استبدلوا ألعابهم البريئة بالسلاح، ان تتقوي الله في أمهات شهداؤنا اللواتي تعالت زغاريدهم وهم يقدمون فلذات اكبادهم قرابين لهدا الوطن.
أهكذا يكون جزاء كل هؤلاء ؟ أهكذا يكون رد الجميل لهؤلاء بان نُحول كل آمالهم في وطن حر يحترم أبناءه ويساوي بينهم الى سراب ؟ هل فكر الليبيين كيف ستذكرهم الأجيال القادمة وكيف سيكتب التاريخ مصير ثورتهم؟ هل قدمنا كل هده التضحيات ليكتب التاريخ ان الليبيين قاموا بثورة لإسقاط نظام القذافي ثم تفرقت كلمتهم واضمحلت دولتهم وهم يتصارعون على تقاسم الغنائم ؟

الخميس، 17 مايو، 2012

تحـــــدي الإنتخـــــابـــــات




إتفق العالم على أن صناديق الإقتراع هي أكثر الطُرق ديمقراطية لعكس إرادة جموع الشعب في الوقت الراهن، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا قِلة من الناس الذين لازالوا يُقيدون أنفسهم بأغلال التَّخلف محاولين مُحاكة الماضي بطريقة أقل ما يُمكن أن تُوصف به أنها مدعاة للسُخرية وإن كان صوت هؤلاء في ليبيا بداء خافتاً نظراً لإقتناع غالبية التيار الإسلامي بِمبداء فقه المصلحة ، اذ أنَّ المصلحة في الحالة الليبية الراهنة أن يتم الاختيار عن طريق الإنتخاب مع ان المصلحة فى المرحلة السابقة كانت فى الإلتفاف حول مشاريع الثَّوريت تحت مُسميات أقل ما يُمكن أن تُوصف به أنها كلمات حق أُريد بها باطل كالإصلاح والحفاظ على الأمن ودرء المفاسد مُستغلين في ذلك الخُطب الرنانة المزينة بأحاديث سيد الخلق وأقوال السلف الصالح بطريقة بعيدة كل البعد عن مبادئ الدين الحنيف التى تدعوا الى تحرير الانسان من الظلم والاستبداد .
امَّا  اليوم و الإنتخابات على الأبواب فالمُشاركة في إنجاح الإنتخابات  أصبحت واجب وطني وأخلاقي إتفقت مُعظم التيارات السياسية على ضرورة نجاحها فلا يُوجد اي مُبرر  للإمتناع عن المشاركة فيها، ببساطة لأن كل الحُلول الكفيلة بإنقاد الدولة متوقفة على إفرازات  هده الانتخابات فلا شك أن الإ نتخابات اصبحت تُمثل املاً لأغلب الليبيين للخروج من دائرة الفشل والإحباط التى احكمت حلقاتها عليهم، وتَزدادُ تعقيداً في كل يوم يمضي من عمر هده الدولة الوليدة التى عجزت حتى هذا الوقت أن تفرض هيبتها وإحترامها على مُواطنيها نتيجةً لسُوء أداء القيادات فيها، هده القيادات الغير مُؤهلة والغير قادرة على قيادة البلد ولعل هذا ما جعل عامة الليبيين يجتمعون على ضرورة إنجاح هذه التجربة بعد ان ضاقوا درعاً بتحكم مليشيات العسكر وبقايا النِّظام السابق متمثلاً فى مُؤسسات ليبيا الغد ، وخوفا من أن تدخل البلد في دوامة الصراعات القبلية والجهوية ودعوات التقسيم ولسان حالهم يقول ان الإنتخابات هي رسالة من الشعب الليبي الى العالم مفادها أننا مع النظام ومع الأمن ومع الإستقرار .
وأمام كل هدا لم نجد اي صوت يتناول بالبحث والتحليل انعكاسات نتائج هده الانتخابات على المشهد الليبي بكل جوانبه السياسية والأمنية وحتى الاجتماعية  لا ادري إذا كان الدافع لهدا هو الخوف من قتامة الصورة التى ستفرزها هده الانتخابات في مجتمع لازال يعانى من الأمية السياسية والتصحر فى المفاهيم الديمقراطية نتيجة الترسبات الى تركتها عقود من التجهيل السياسي ، فأخشى ما أخشاه ان حجم الآمال والطُموحات الكبيرة المُعلقة على نتائج هده الانتخابات ستنعكس وبالاً على الليبيين  وستزيد من إحباط الليبيين وتُبدد أحلامهم فى المجتمع المدني الديمقراطي الذي حلموا به كثيرا أو ان الدافع وراء ذلك هو غياب التخطيط والتَّصور العلمي لمرحلة أراها أكثر أهمية حتى من مرحلة النضال العسكري فالسمة البارزة لقيادات هده الدولة الوليدة هي قصر النظر وغياب التخطيط والاعتماد على سياسة ردة الفعل في إدارة شؤون البلد .
فوضعية الأزمة المستمرة في ليبيا اليوم تدل على عجز مؤسسات الدولة عن التعامل السلمي مع أطراف المُعادلة من قبائل مسلحة ومليشيات وأحزاب غير واضحة الملامح والانتماءات اضافة الى بقايا النظام السابق من مرتزقة الاعلام وطحالب السياسة وبالتأكيد ان نتائج هده الانتخابات لن تُرضي كُل هده الاطراف والتى حتماً ستتفاوت ردة فعلها ازاء هده الانتخابات حسب قوة كل طرف من هده الاطراف على ارض الواقع.
انا هنا لا أدعوا الى إفشال هذه الإنتخابات فقد انتظرناها كثيراً وقدمنا في سبيلها آلاف الشهداء ولكن أدعوا الى النظر لها كمحاولة في طريق بناء دولة نتمنى نجاحها ولكن وفى نفس الوقت لا نتجاهل احتمالية فشلها ليس من حيث التنظيم فقط ولكن حتى من حيث المفرزات التى قد تأتى بها ، أنا لا اريد ان أخوض كثيرا في الجانب القانوني المنظم للكيفية التى ستقوم بها هده الانتخابات فسأترك ذلك لأهل الاختصاص من رجال القانون وخبراء السياسة ولكن أولاً عدم عدالة توزيع كراسي هذا المؤتمر التى اعتمدت اساساً على عدم المُساواة بين أبناء البلد الواحد وإعطاء جزء كبير من المقاعد للنظام الفردي وخاصة في مُدن الدَّواخل وهدا حثماً سيعيد صياغة دور شيوخ القبائل ومليشياتها المسلحة وإصباغ صبغة شرعية عليها اضافة الى حتمية وجود رجال المال فى هدا المشهد بدلاً عن رجال السياسة كما أننى لا أستبعد وجود أشخاص لهم علاقات بالنظام السابق .
انا هنا لا أدعى حتمية فشل هدا المؤتمر ولكنني ادعوا لأن نكون أكثر حكمة ونتعلم من أخطائنا فلا نعلق كل الآمال على مؤسسة واحدة كما حدث معنا عندما اضفينا على المجلس الوطني الانتقالي قدسية لا يستحقها ولا زلنا نعاني من تبعاتها  انا ارى في وجود كيانات شرعية اخرى فى هده المرحلة من الضروريات كالمجالس المحلية الشرعية المنتخبة وليست هده المجالس البائسة كما ادعوا الى دعم مؤسسات المجتمع المدني ومساعدتها فى توعية كافة قطاعات الشعب والذي يغيب عليه الكثير من الأبجديات فى عالم السياسة فحتى الدعاية الكبيرة لهده الانتخابات ارى فيها الكثير من القصور إذ انها لم تتعرض لشرح المؤتمر الوطني و وظائفه بقدر ما اهتمت بدعوة الليبيين للمشاركة ، فهناك الكثير من المفاهيم التى يجب تغيرها قبل الحديث علي الاستفادة من نتائج هده الانتخابات لعل اهمها على الاطلاق مفهوم الدولة نفسه الذي لازال للأسف الشديد يغيب عن ادهان الكثير من الليبيين ليحل محله مفهوم الثورة التى اصبحت لعنة تقف في طريق بناء دولة المؤسسات والقانون  وأخيرا أدعو الله العلى القدير ان لا نضيع هده الفرصة وان لا تكون هده الانتخابات بكاءً على أطلال الوطن